مشروع أخلاقي عالمي
هانس كينغ*/ مراجعة: حسان حامد

تأتي أهمية هذا الكتاب وفرادته من جهتين: التجربة الغنية والطويلة لمؤلفه البروفسور هانس كينغ (Hans King)، وشمولية المشروع الذي يتقدم به تعبيراً عن الاعتراف بأدوار الأديان في مسائل حقوق الإنسان. وهانس كينغ من أصول سويسرية كاثوليكية، تخصص في الفلسفة واللاهوت وبرز بسرعة في الدوائر القريبة من الفاتيكان، بحيث عين مستشاراً في لجنة حوار الأديان بمجمع الفاتيكان الثاني (1962 – 1965)، ثُمَّ صار أستاذاً بكلية اللاهوت الكاثوليكي بجامعة توينغن/ ألمانيا الاتحادية، وقد سمح له آنذاك بالإشراف على تربية الكهنة الكاثوليك، لكنه ما لبث أن تشاجر مع دوائر العقيدة بالفاتيكان أواخر الستينات حول العصمة البابوية، وحول معنى الخلاص، وإمكان نجاة المؤمنين بالله وإن لم يكونوا كاثوليك أو مسيحيين، ورغم استمرار النقاش بين الطرفين لأكثر من عشر سنوات فقد منع من تربية الكهنة عام 1979م، وظل أستاذاً للاهوت وفلسفة الدين بالجامعة المذكورة، وتطورت تجربة كينغ في الثمانينات فأجرى حوارات مع المسلمين واليهود ثم مع البوذيين والهندوس، ونشرت كلها في كتب صارت مشهورة وقد أنشأ مؤسسة لهذا الغرض وظل على إصراره حول حوار الديانات، وحول إمكان مشاركة المؤمنين في السلام العالمي وترجمت كتبه إلى سائر لغات العالم بما في ذلك العربية.

وضع هانس كينغ كتابه هذا تحت ثلاثة عناوين أو شعارات:

-           لا استمرارية من دون أخلاق كونية.

-           لا سلام عالمي من دون سلام ديني.

-           ولا سلام ديني من دون الحوار بين الديانات.

خصص المؤلف قسمان من أقسام الكتاب الثلاثة لدراسة كل شعار من الشعارات السالفة الذكر بعد المقدمة.

ذكر في القسم الأول (من الحداثة إلى ما بعد الحداثة) أَنَّهُ العام 1918م (نهاية الحرب العالمية الأولى) كان عام تحول: إذ سرعان ما ظهرت عصبة الأمم مستفيدة من الدروس المريعة للحرب لكن الآمال ما لبثت أن ذبلت وتراجعت فقد فشلت عصبة الأمم، وشاع الاستعمار وظهرت في أوروبا الفاشيات والماركسية، وقد أدى ذلك إلى ضرب الاستقرار الهش واندلاع الحرب الثانية، ثم ظهور الأمم المتحدة التي لم يحل ظهورها دون نشوب الحرب الباردة بين الشيوعيين والرأسماليين مع صعود الفورة اليابانية في آسيا، وبعد صراع مرير اتجهت الماركسية (اشتراكية الدولة) للتراجع والانهيار، وبدأ أنه انتصاراً كبيراً تحقق للديمقراطية الليبرالية بيد أن ذلك لا ينبغي أن يلهينا عن عيوب وقصور النظام الرأسمالي من الناحية الأخلاقية، وعن أن هذا التحول اللافت (ظهور العولمة، وما بعد الحداثة) لا يعني تخلياً عن الأخلاق، بل هو تغير يمشي بالحيرة والتردد بشأن إمكان تأسيس نظام عالمي جديد، يرى المؤلف أنه لن يكون إلا استناداً إلى مبادئ أخلاقية عالمية وشاملة، فالأزمة العالمية الراهنة لا ينبغي أن تدفعنا لمعاداة الحداثة، كما يفصل الأصوليون من سائر الديانات، كما لا ينبغي أن تدفعنا لمحاولة التفوق على الحداثة وتجاوزها بل لابد من احتواء عصر الحداثة استناداً إلى نظام أخلاقي يتسم بالموضوعية والشمولية في قيمه ومقاصده.

ما ضرورة الأخلاق؟ فريدريك نيتشة دعا إلى تجاوز مسألتي الخير والشر باتجاه خواء يتعالى عليهما باسم إنسانية الإنسان، ولكن مع غياب المفاهيم لا يبقى هناك معنى لتلك الإنسانية، وهذا النزوع الفردي الذي تابعته الوجودية ما استطاع أن يكون دافعاً أو موطناً للقاء في العالم حتى في الديمقراطيات التي تقوم على فكرة المواطن، وذلك أن الديمقراطية تحتاج في قيامها إلى توافق أساسي أو حد أدنى من القيم والقواعد والمواقف الجماعية المستندة إلى حرية الاختيار وكذلك الأمر في النظم الشمولية القائمة على جماعيات القسر والإرغام، وهكذا نصل إلى ضرورة وجود أخلاق كونية تقوم على توافقات واقتناعات.

ويرى بروفيسور كينغ أن هذه الاقتناعات والتواقات قائمة بين المؤمنين بدين معين، كما أَنَّهَا يمكن أن تقوم بين غير المتدينين، وللتوصل إلى أخلاق عالمية لابد أن يعترف المتدينون بحريات غير المتدينين والعكس بالعكس، وهو على اقتناع أن البشر لا يمكن أن يصلوا إلى نمط أخلاقي شامل من دون الدين لقد حاولوا ذلك في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بيد أن السلام لم يتحقق بسبب العداء للدين أو إغفال قيم وإسهامات المتدينين، ولذلك يكون علينا الوصول للقول بالمسؤولية المشتركة ضمن الاحترام المتبادل من طريق التحالف الذي كان ممكناً وصار الآن ضرورياً.

هل يمكن قيام نظام أخلاقي بدون الدين؟ بدا في النصف الأول من القرن العشرين وما بعد أن الديانات صائرة إلى زوال، وبدا كأنما فكرة (الحق الطبيعي) تتجه للانتصار والسواد بيد أن الدين عاد يطرح تحدياً وسط صعود أعداد المتدينين، وانهيار الأنظمة الشمولية وتزعزع، واضطراب الديمقراطية والتوجهات الدينية توجهات أخلاقية بالدرجة الأولى، لكن كما لم ينجح الملحدون في وضع مقاييس أخلاقية شاملة، كذلك لا يستطيع المتدينون أن يلزموا الآخرين بأن كل شيء موحي وثابت ولا دخل للبشر فيه.

وهكذا كان لابد من الوصول إلى قاعدة ذهبية هي قاعدة (الوسط الأخلاقي) وللمسيحية والإسلام إسهامات جلى فيها، رغم الأخطاء التاريخية المرتكبة في التجربة الإنسانية باسم الدين، ففي الدين تقترن الحرية بالعدالة والمساواة بالتعددية والأخوة بالمودة بين البشر ذكوراً وإناثاً والتعايش بالسلام والتسامح بالمسؤولية المشتركة.

وجاء القسم الثاني من الكتاب تحت شعار: لا سلام عالمي من دون سلام ديني، وحيثيات هذا الأمر أَنَّهُ كل دين يملك نظاماً أخلاقياً مترتباً على نظامه الديني أو اللاهوتي، لكن كما في الأخلاق العلمانية فإن التجارب الدينية مع الأخلاق، أفضت أحياناً إلى نشوب حروب مثلما حدث في التجربة اللبنانية، حيث بدأ كأنما الدين يؤدي إلى النزاع نتيجة تعصب كل طرف أو أبناء دين معين لنظمهم الديني والأخلاقي لكن الإنصاف يدعونا للقول إن هناك تجارب دينية إيجابية أيضاً مثلما أفضت إليه الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت بألمانيا، وفرنسا وبولونيا، فهناك منذ عشرات العقود سلام وتعايش بين الديانات هناك، والدارس المستفاد من التاريخ الطويل أنه لا سلام عالمي بدون سلام ديني ويكون علينا هنا -بحسب كينغ– أن نعالج الأمر على عدة مستويات: مسألة الحقيقة، ومسألة الشمولية والاستيعاب، ووجود قاعدة دينية للقيم الإنسانية.

في المستوى الأَوَّل: يتمسك أتباع كل دين بالامتلاك الحصري للحقيقة أو للنجاة والخلاص، بيد أن النقد الذاتي ضمن التجربة التاريخية يؤدي للوصول إلى أن الحقيقة السعادة لها مشتركات في كل الديانات، وبالذات الديانات التي تؤمن بإله واحد، وهذا يعني أن الحقيقة واحدة أو مشتركة، لكن وجوه النظر تختلف إليها رغم توحدها الجوهري، فبالنقد وبالنظر الشمولي يتوصل أهل الديانات إلى رؤى مشتركة وإذا تأملنا في الثنائيات والوسطيات السالفة الذكر (الحرية، والعدالة، والتسامح والتعايش، والسلام، والمودة.. الخ) نصل إلى قاعدة دينية للقيم الإنسانية، تنافس وترى قاعدة الحق الطبيعي لدى غير المتدينين، ويضرب كينغ مثلاً بالكرامة الإنسانية باعتبارها قاعدة أساسية في أخلاقيات الأديان ليقول بعد ذلك إنه العلاقة بين الدين والأنسنة هي علاقة أو قاعدة ديالكتكية أو جدلية، والأمر الآخر أو القيمة أو الفضيلة الثالثة فضيلة الاستقرار القائم على الحوار بين أتباع كل دين، وأتباع الديانات، وأخيراً بين المتدينين وغيرهم، ويعدد المؤلف لضرب مثل مؤتمر اليونيسكو بباريس عام 1990م الذي بحث للمرة الأولى من ضمن التربية على حقوق الإنسان، دور الدين في ذلك بالإفادة عن تجارب المؤمنين.

وفي الفصول الباقية من القسم الثالث من الكتاب يعدد هانس كينغ لقراءة المنظومات الفلسفية والتاريخية الرئيسية التي تحاورت مع الدين، عند هيغل، وعند شبنغلر، وعند توينبي، عند هيغل هناك التطور الأفقي الروحي ذو الاتجاه الواحد المتصاعد، وعند شينغلر هناك اتجاه الغرب الروحي نحو الانحلال (عكس هيغل) وعند توينبي هناك التطور الروحي على مراحل، واستناداً إلى هذه المناقشة مع ميل باتجاه هيغل يدرس كينغ أوضاع التيارات الدينية الكبرى في عالم اليوم مقسماً لها إلى ثلاثة أقسام: الديانات النبوية، والديانات الصوفية، والديانات الحكمية، وهكذا يتوصل المؤلف إلى أنه لا سلام ديني بدون حوار ديني، فإذا كان العلمانيون مسؤولين عن الاعتراف بدور الدين في السلام، فإن المتدينين مسؤولون عن طريق (الحوار الديني) للتوصل إلى سلام ديني، ثم إلى إسهام متصاعد في السلام العالمي، ثم يخيم بتوجيهات من أجل الحوار بين الديانات في عصر ما بعد الحداثة، فمن مسؤوليات السياسيين ورجال الأعمال ورجال العلم ورجال الدين التحاور: حوار الحياة، والحوار الرسمي، والحوار العالمي والأكاديمي، للتوصل إلى أخلاق عالمية.

*********************

(*) مشروع أخلاقي عالمي، دور الديانات في السلام العالمي، عربه عن الألمانية: جوزيف معلوف، أورسولا عساف، المكتبة البولسية، لبنان 1998م، والمراجعة لكاتب من لبنان.

 
مقالات أخرى في العدد السابع
حديث التفاهم "يهدي للتي هي أقوم"
الإرهاب والمشروعية الأخلاقية بعد أحداث 11 سبتمبر: الخلفيات الفلسفية والاستراتيجية لمفهوم الحرب العادلة
الصراع على القيم أزمة "المعرفة الإنسانية" بين الغرب والإسلام
نحو أخلاق عالمية إعلان عالمي صادر عام 1993م
الهوية الدينية والقيم العالمية الناشئة
الأخلاق والعولمة
العقل والعدل والأخلاق مرايا اللغة والدين والفلسفة
العقل الأخلاقي العربي قراءة في فكر محمد عابد الجابري
مدخل إلى تاريخ التأويل (الهيرمينوطيقا)
في العقد الاجتماعي نحو إعادة التفكير في الحداثة
كتابة تاريخ صدر الإسلام بين الأدب والوثائق
الحق في الاختلاف أبعد من التفاهم
تعايش الثقافات- والقيم الإنسانية
مقدمة من أجل تأصيل التفاهم بين المسلمين
الحضارات صدامٌ أم حوار؟ جدليات التطور الدائم
"أطلب العلم ولو بالصين" الإسلام والثقافة الصينية
البوذية والإسلام وغربة الأديان
مدينة القاهرة في عصر المماليك
صورة أوربا عند رحالة أندلسيين
لقاء عربي أمريكي
الثقافة والكتاب والعرب في معرض فرنكفورت
مشروع أخلاقي عالمي
الدين والدولة في الفكر العربي الحديث*
 
 
   بحث متقدم في المقالات
جميع الحقوق محفوظـة - وزارة الأوقاف والشؤون الدينية - سلطنة عمان